سيد محمد طنطاوي
263
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقوله : * ( غَرْقاً ) * اسم مصدر من أغرق ، وأصله إغراقا . والإغراق في الشيء ، المبالغة فيه والوصول به إلى نهايته ، يقال : أغرق فلان هذا الأمر ، إذا أوغل فيه ، ومنه قوله : نزع فلان في القوس فأغرق ، أي : بلغ غاية المد حتى انتهى إلى النّصل . وهو منصوب على المصدرية ، لالتقائه مع اللفظ الذي قبله في المعنى ، وكذلك الشأن بالنسبة للألفاظ التي بعده ، وهي : « نشطا » و « سبحا » و « سبقا » . والمعنى : وحق الملائكة الذين ينزعون أرواح الكافرين من أجسادهم ، نزعا شديدا ، يبلغ الغاية في القسوة والغلظة . ويشير إلى هذا المعنى قوله - تعالى - في آيات متعددة ، منها قوله - سبحانه - : ولَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا ، الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وأَدْبارَهُمْ وذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ . وقوله : * ( والنَّاشِطاتِ نَشْطاً ) * : المقصود به طائفة أخرى من الملائكة . والناشطات من النّشط ، وهو السرعة في العمل ، والخفة في أخذ الشيء ، ومنه الأنشوطة ، للعقدة التي يسهل حلها ، ويقال : نشطت الدلو من البئر - من باب ضرب - إذا نزعتها بسرعة وخفة . أي : وحق الملائكة الذين ينشطون ويسرعون إسراعا شديدا لقبض أرواح المؤمنين بخفة وسهولة ويقولون لهم - على سبيل البشارة والتكريم - : يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ . ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً . وقوله - سبحانه - : * ( والسَّابِحاتِ سَبْحاً ) * قسم ثالث بطائفة ثالثة من طوائف الملائكة ، التي تسبح في هذا الكون ، أي : تنطلق بسرعة لتنفيذ أمر اللَّه - تعالى - ، ولتسبيحه ، وتحميده ، وتكبيره ، وتقديسه . أي : وحق الملائكة الذين يسرعون التنقل في هذا الكون إسراعا شديدا ، لتنفيذ ما كلفهم - سبحانه - به ، ولتسبيحه وتنزيهه عن كل نقص . . . وقوله - تعالى - : * ( فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً ) * المقصود به طائفة رابعة من الملائكة ، تسبق غيرها في تنفيذ أمر اللَّه - تعالى - ، إذ السبق معناه : أن يتجاوز السائر من يسير معه ، ويسبقه إلى المكان المقصود الوصول إليه ، كما قال - تعالى - في صفات المتقين : أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وهُمْ لَها سابِقُونَ . وقوله : * ( فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً ) * المقصود به طائفة خامسة من الملائكة ، من وظائفهم تدبير